اشكالية تدوين الكتاب المبين

نقد الفكر الديني 

عرفة خليفة الجبلاوي

 اشكالية تدوين الكتاب المبين

مقدمة

يقول الأستاذ محمد صبيح في كتابه (بحث جديد عن القرآن) أن كتابة القرأن المكى على هذه الأدوات الخشنه التى هى (العظم والحجاره والأكتاف والعسب وما شابه ) كان مصحفاً يحتاج إلى عشرين بعيراً لكي تحمله، ثم يضيف قائلا: لم نعلم من انباء الهجره أن قافله من الأحجار فرت قبل النبى أو أثناء هجرة الرسول وهى تحمل هذا الحمل الغريب.
وهذا يعني أن سجلات القرآن المكي لم تصل المدينة وظلت في مكة المشركة حتى عام الفتح ـ وهو العام الثامن من الهجرة.

وعلى ذلك فإن تلاوة القرآن المكي بعد الهجرة كانت تعتمد بالأساس على ذاكرة القراء. وقد مات الرسول دون أن يجمع القرأن بين دفتي مصحف.

عندما وقعت حروب مانعي الزكاة ـ والتي اسماها أبو بكر الصديق حروب الردة ـ تنبه عمر بن الخطاب إلى ضرورة جمع القرأن بعد أن مات كثير من الحفظة. ويروى البخاري في صحيحه هذه القصة على لسان زيد بن ثابت كما يلي :

« أرسل إلي أبو بكر في مقتل أهل اليمامة ـ يعني قراء القران ـ فإذا عمر بن الخطاب عنده ، فقال ابو بكر : ان عمر أتاني فقال: ان القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القران، أني أخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثيرا من القران وأنى أرى ان تأمر بجمع القران ، فقلت ـ أي زيد ـ لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر هو والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر ابو بكر وعمر. ثم يضيف البخاري على لسان زيد: فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله ، ثمّ عند عمر حياته ، ثمّ عند حفصة بنت عمر» .

وفي الاتقان ج 1: عن زيد بن ثابت، قال : قُبِضَ رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شيء. كما أن ابو بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه، (صحيح البخاري، شرح فتح الباري). ويسمى جمع القرأن الذي تم في عهد أبي بكر بالجمع الأول.

أما الجمع الثاني الذي تم في عهد عثمان بن عفان، فقد استدعته الضرورة نتيجة الغزو واتساع رقعة البلاد المفتوحة. قال الطبري في تفسيره مجمع البيان: لـما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل و المعلم يعلم قراءة الرجل فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، قال أيوب : فلا أحسبه إلا قال : حتى كفّر بعضهم بقراءة بعض. وتصديقا لذلك روى البخاري عن أنس : أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان: أدرك الاَُمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل إلى حفصة : أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ، ثمّ نردّها إليك ؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن ، فأكتبوه بلسان قريش فإنّه إنما نزل بلسانهم ، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفةٍ ومصحفٍ أن يحرق !. وهكذا ظهر المصحف الإمام أو المصحف العثماني وتداوله المسلمون، وهو الموجود حاليا بين أيدي الناس.

وضع القرأن في عصر الرسول:

الاعتماد على الذاكرة البشرية وهو ما اصطلح عليه إسلاميا بصدور الرجال:
تحت عنوان (زلة اليد واللسان ـ في نقل القرآن) بالحوار المتمدن، كتب الدكتور جمشيد ابراهيم: النصوص التي تنقل شفويا تتعرض للتغير بعد الناقل الثالث لانها شفوية تعتمد على طبيعة الانسان الذي ينسى باستمرار وذاكرته ضعيفة. وما قاله الدكتور هو حقيقة لا ينكرها إنسان، بل يبدو ذلك جليا إزاء نص طويل مثل القرآن. وقد كان النسيان والسهو ظاهرة إنسانية طالت الجميع حتى الرسول، ونحن لا نبحث في كيفية النسيان هل هو من الله أو من البشر أو من الشيطان، فإن النتيجة واحدة بالنسبة لبحثنا هذا. وقد تعددت الأحاديث التي تنبر على هذا النسيان أو السهو. فقد ورد في كتاب (سير أعلام النبلاء) للذهبي، باب في النسخ والمحو من الصدور ما يلي: وقال أبو حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه ، عن أبي موسى قال : كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة (يقصد سورة التوبة)، فأنسيتها ، غير أني حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها ، غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة . أخرجه مسلم. وقال شعيب بن أبي حمزة وغيره ، عن الزهري : أخبرني أبو أمامة بن سهل ، أن رهطا من الأنصار ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه ، أن رجلا قام في جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها ، فلم يقدر منها على شيء إلا : بسم الله الرحمن الرحيم ، فأتى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح ليسأله عن ذلك ، ثم جاء آخر حتى اجتمعوا ، فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم ؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة ، ثم أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبرهم ، وسألوه عن السورة ، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا ، ثم قال :  » نسخت البارحة  » ، فنسخت من صدورهم ، ومن كل شيء كانت فيه. رواه عقيل ، عن ابن شهاب قال فيه : وابن المسيب جالس لا ينكر ذلك.
نسخ هذه السورة ومحوها من صدورهم من براهين النبوة ، والحديث صحيح(انتهى)

وهناك حديث آخر: حدثنا ‏ ‏أحمد ابن أبي رجاء ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو أسامة ‏ ‏عن ‏ ‏هشام بن عروة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏
سمع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏رجلا ‏ ‏يقرأ في سورة بالليل فقال ‏ ‏يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا .
فالنسيان واقع إنساني لا يمكن الفكاك منه، يقول المؤمنون في القرآن: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (البقرة 286). وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأنعام 68)، وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ (الكهف 24)، مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (البقرة 106). فالنسيان واقع إنساني مهما تعددت مصادره سواء من الضعف البشري أو من مكائد الشيطان أو بإرادة الله وحكمته.

الأحرف السبعة:

بداية لا يوجد أي دليل بالقرآن يشير من قريب أو من بعيد إلى الأحرف السبعة، لكن هناك أحاديث كثيرة تتحدث عن الأحرف السبعة، إلا أنها لم تتفق على تعريف لهذه السبعة أحرف، ويقولون أن عثمان أحرقها ضمن ما أحرق من مصاحف. فهذه الأحرف السبعة موضوع مبهم وغامض، تضاربت الأحاديث ولم تتفق على هذه الحروف من حيث عددها أو معناها. وللطبري رأي معقول في تفسيره تعليقا على عبارة ( كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بآية عذاب كقولك : هلم وتعال ) : فقد أوضح النص هذا الخبر: أن اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف في ألفاظ كقولك : ( هلم و تعال ) باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبة. ويتفق القرطبي مع الطبري فقال: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أَقْبَل وتَعَال وهَلُمّ.

عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله (ص)، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكِدت أساوِره في الصلاة ، فتصَّبرت حتى سلّم ، فلَبَّبْتُهُ بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنِيْها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت، أقرانيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرئها، فقال: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  » كذلك أنزلت  » ثم قال رسول الله (ص): اقرأ يا عمر، فقرأت التي أقرأني. فقال: كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف. عن أُبيِّ بن كعب قال: كنتُ في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: إنَّ هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرءا، فحسَّن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غَشِيني ضربَ في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فَرَقاً، فقال لي: يا أُبَيُّ، أُرسل إليَّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددتُ إليه أن هَوِّنْ على أمتي، فردَّ إليَّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددتُ إليه أن هوّن على أمتي، فرد إليَّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرتُ الثالث ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم

هنا يعتمد الرسول قراءتين متباينتين لسورة الفرقان، ولعل هذا ناتج عن اختلاف لهجات العرب، ولهجات العرب أمر واقع في القرآن، وسنعرض له في هذه السلسلة. وفي دراسة للأستاذ حسن ضياء الدين عتر بعنوان (الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها – دراسة في أحاديث الأحرف السبعة – مذاهب الأئمـة فيـها)، نفنطف منها التالي:

ولما كانت لغات القبائل العربية متفاوتة في الفصاحة وكان أفصحها إطلاقاً لغة قريش، قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. نزل القرآن بلسانهم أولاً. وكان طبيعياً أن يصعب على كثير من أبناء القبائل الأخرى قراءة القرآن بلسان قريش، لأنهم ألِفوا غيرها، إذ استحكمت فيهم لغات قبائلهم، وقد يتعذر بعض ألفاظ القرآن على عامتهم في كثير من الأحيان لأنهم أميون، وما تزال فيهم بقية من العصبية للقبيلة و لموروثاتها، فلو كُلفوا الخروج عن عاداتهم في صور نطقهم وأساليب كلامهم لكابدوا في ذلك حرجاً ومشقة لا مثيل لهما. لذلك قضت الحكمة الإلهية بإنزال القرآن على سبعة أحرف، فقرؤوا القرآن بلغاتهم بيسر وبسهولة.

فالأحرف السبعة إذا كانت حقيقة فهي رخصة للهجات المختلفة وتيسيرا على أمة أمية لاتقرأ ولا تحسب. وعند الكثيرين لا يستقيم موضوع الأحرف السبعة مع المنطق ولا مع التاريخ ولا مع الواقع.

وقبل ختام المقال أود أن أؤكد على أن الأحرف السبعة تختلف عن القراءات السبع ـ أو العشر كما سيتضح ـ حيث أن الأحرف السبعة حرق منها عثمان ستة وأبقى على واحد بينما القراءات العشر واقع قرآني متداول حتى اليوم بين أيدي الناس.

وضع القرأن زمن أبي بكر وعمر:

ذكرنا في المقال السابق حديث زيد بن ثابت: قُبِضَ رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شيء. وهذا لا ينفي وجود بعض سور القرآن مدونة في رقاع ، وأخرى مكتوبة على اللخاف وهي حجارة بيضاء مسطّحة، وقد كانت متناثرة في بيوت بعض الصحابة ، وبعض آخر مدوّن على العظام وهي أكتاف الإبل ، لكن معظم القرآن كان في صدور الرجال. وذكرنا أن السبب في الجمع الأول في عهد أبي بكر كان اشتعال حروب اليمامة حيث استحر القتل بالقراء. ونلاحظ في هذه الحقبة أن الاعتماد الأساسي كان على ذاكرة البشر أو ما يسمى الحفظ في الصدور، ويتضح ذلك من تكليف أبو بكر لعمر وزيد بالقعود على باب المسجد وأخذ الأيات من صدور الرجال على شاهدين، ويتبين أيضا من فزع عمر لمقتل كثير من الحفظة إذ لو كان القرآن المدون كاملا وموثوقا به لما فزع عمر هكذا. كذلك يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن عدم ترتيب الآيات تاريخيا أو موضوعيا إنما يرجع إلى المواد الخشنة التي استعملت كصفحات والتي لم تكن تسمح بترتيب السور ناهيك عن اختلاف موادها ما بين الحجر والعظم والجلد وسباط النخيل وغيره مما يستحيل معه تنظيمها بصورة متتابعة كالكتاب.
ومن التساؤلات المنطقية التي تطرأ على ذهن القاريء: هل كان ابو بكر وعمر حافظين للقرآن؟ الإجابة المنطقية تقول لا، وإلا ما فزع عمر هكذا، وما كان أبو بكرقد وافق على عمل لم يفعله الرسول. واستقراء الأحاديث يؤكد ذلك: روى مالك عــــن نافع عن ابن عمر قال: (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً) نزهة الفضلاء ، تهذيب سير أعلام النبلاء.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب ). رواه الحاكم والترمذي، وقال حسن صحيح، وصححه السيوطي.
عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد ؟ قال: أحد عمومتي.

وروي من طريق ثابت عن أنس كذلك قال: « مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو يزيد « . وهذا يرينا مدى ضآلة عدد من حفظة القرآن. ولم يكن من بينهم ابو بكر أو عمر.

كذلك في عصر ابي بكر كان لبعض الصحابة مصاحفهم الخاصة مثل على بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم. والحديث التالي يبين ذلك: عن عكرمة قال‏:‏ لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر‏:‏ قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال‏:‏ أكرهت بيعتي قال‏:‏ لا والله قال‏:‏ ما أقعدك عني قال‏:‏ رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه قال له أبو بكر‏:‏ نعم ما رأيت. وأخرجه ابن أشتة في المصاحف.
أقرأت؟ أمير المؤمنين على بن أبي طالب يقول بعد موت الرسول ببضعة أسابيع: رأيت كتاب الله يزاد فيه!!
وفي صحيح البخاري: يقول زيد بن ثابت: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم إلى آخره وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر.

كتب زيد آيتين من سورة التوبة بشاهد واحد!! ألم يقولوا أن زيدا كان يحفظ القرآن، لماذا لم يتذكرهما؟ هل كتب المصحف يأخبار الأحاد كما الأحاديث؟ أم أن شهادة خزيمة الأنصاري تعدل شهادة رجلين؟ نعم وإليك الدليل: ‏أن النبي ‏ ‏(ص) ‏ابتاع ‏ ‏فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ‏ (ص) ‏ ‏ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله ‏ ‏(ص) ‏المشي وأبطأ الأعرابي ‏ ‏فطفق ‏ ‏رجال يعترضون الأعرابي ‏ ‏فيساومونه ‏ ‏بالفرس ولا يشعرون أن النبي ‏ (ص) ‏ ‏ابتاعه ‏ ‏فنادى الأعرابي رسول الله ‏ (ص) ‏ ‏فقال إن كنت ‏ ‏مبتاعا ‏ ‏هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي ‏ (ص) ‏ ‏حين سمع نداء الأعرابي فقال أو ليس قد ‏ ‏ابتعته ‏ ‏منك فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي (ص) ‏ ‏بلى قد ابتعته منك ‏ ‏فطفق ‏ ‏الأعرابي يقول ‏ ‏هلم ‏ ‏شهيدا فقال ‏ ‏خزيمة بن ثابت ‏ ‏أنا أشهد أنك قد ‏ ‏بايعته ‏ ‏فأقبل النبي ‏ (ص) ‏ ‏على ‏ ‏خزيمة ‏ ‏فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله ‏ ‏فجعل رسول الله ‏ (ص) ‏شهادة ‏ ‏خزيمة ‏ ‏بشهادة رجلين.

وفي الإتقان نقلا عن المصاحف لابن اشتة، عن الليث بن سعد قال: وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل ، وإن آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين فقال : اكتبوها فإن رسول الله (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب، وان عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده.

وكذا جاء في كنـز العمال  » عن هشام بن عروة قال : لما استحر القتل بالقراء فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب و لزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من القرآن تنكرانه من كتاب الله فاكتباه. وهذه الجملة ( فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه ) تدل على أن بعض الآيات يحق لها الدخول في المصحف بشهادة رجلين وإن أنكرها جماع المصحف ، أي أن من وكل بجمع القرآن لا يحفظه !!! وفي هذا دليل أن زيد لم يكن حافظا لكل القرآن، وإلا لكان كتب آية الرجم بشهادة عمر وشهادته!!

قال الشيخ الكوراني: هذا الكلام يدل على أن القرآن الذي ( يحفظه ) أبو بكر وعمر وزيد وغيرهم من الحفاظ المعروفين، ناقص!! وأن بقيته مبثوثة عند الناس، لذلك تعلن الخلافة أن أي نص يشهد عليه رجلان أنه من القرآن فهي تلتزم به وتثبته في القرآن، ونائب الخليفة وكاتبه مأموران أن يدخلا ذلك النص في القرآن حتى لو لم يشهدا به ، بل حتى لو استغرباه وأنكراه ( تنكرانه . . إلا أثبتماه )! إن هذه الحركة منسجمة تماما مع الأحاديث الصحيحة الواردة عن الخليفة عمر بأن القرآن الذي نزل أضعاف الموجود ، لذلك فهو يحاول جمع ما ضاع منه بأقل إثبات شرعي وهو شاهدان عاديان!. انتهى.

ويهمنا في هذا المقال أن نشير إلى آية الرجم التي تحدث عنها عمر وجاء حديثها بإسهاب في صحيح البخاري، عن ‏ابن عباس ‏ ‏قال: … فجلس ‏ ‏عمر ‏ ‏على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به ‏ ‏راحلته ‏ ‏ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث ‏ ‏محمدا ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو ‏ ‏الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم…

هذا خليفة خليفة رسول الله الفاروق، الذي وافقه ربه في ثلاث: ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مُصَلًّى وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ ‏ ‏الْبَرُّ ‏ ‏وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏ ‏قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ.

يقول عمر: أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ورجمنا بعده.
أين آية الرجم في القرآن؟ غبر موجودة. هل سقطت؟ كيف والله تعهد بحفظ الذكر؟ هل نسخت؟ ‏وأين الآية الناسخة؟ وانهار الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت رجما من يتحمل وزرها؟؟!! هل عمر كاذب؟ هل الحديث موضوع؟ إذا لماذا يرجمون ويهللون ويكبرون عندما يرون عذاب البشر ومهانتهم ومصارعهم؟؟ تساؤلات تحتاج إلى إجابات. كفى دماء، كفى ظلم. حد من حدود الله غير موجود في كتاب الله.. ثم نبسمل ونحوقل ونهمهم: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام 38)

وضع القرأن زمن عثمان:

كان جمع أبي بكر يشتمل على الأحرف السبعة، لذلك كان سبعة أضعاف حجم مصحف عثمان الذي تأسس على حرف واحد فقط. قال ابن القيم الجوزية :  » ومن ذلك جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة ، التي أطلق لهم رسول الله القراءة بـها لما كان ذلك مصلحة، فلما خاف الصحابة على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف ، فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره (الطرق الحكمية في السياسة لشرعية).

ونحن نتساءل إذا كان أبو بكر قد جمع القرأن وندب لذلك الجمع زيد بن ثابت، فما الحاجة لإعادة جمع القرأن على يد عثمان ويندب له نفس الشخص وهو زيد بن ثابت. تصرف غريب يوحي بأن هناك اختلاف بين مصحف عثمان وما جمعه ابو بكر والذي انتهى اخيرا عند حفصة أم المؤمنين، يؤكد ذلك أن زيدا كان يأخذ الآيات من الناس وبين يديه مستندات جمع ابي بكر للقرآن والتي استعارها عثمان من حفصة لمساعدة زيد في إخراج الإصدار العثماني.

بعد الجمع الثاني نسخت عدة مصاحف وأرسلت إلى الأمصار، وقد اختلف العلماء في عدد المصاحف التي بعث بِها عثمان إلى البلدان، فالذي عليه الأكثر أنَّها أربعةٌ، أرسل منها عثمان مصحفًا إلى الشام، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة، وأبقى الرابع بالمدينة.. وقيل كتب خمسة مصاحف، الأربعة المذكورة، وأرسل الخامس إلى مكة. وقيل ستةٌ، الخمسة المذكورة، وأرسل السادس إلى البحرين.. وقيل سبعة، الستة السابقة، وأرسل السابع إلى اليمن.. وقيل ثَمانية، والثامن هو الذي جمع القرآن فيه أولاً، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قُتِل. وقال أبو حاتم السجستاني ـ وهو غير بن أبي داود السجستاني صاحب كتاب المصاحف: لَمَّا كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن، كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.

وهنا نجد احتمال أخر للخطأ، فالكتبة نسخوا عن المصحف الإمام عددا من المصاحف بعث بها عثمان إلى الأمصار، فالخطأ والزلل والسهو وارد في النسخ اليدوي خاصة مع صعوبة تصحيح الأخطاء والمراجعة. ويتضح ذلك من قيام عثمان بغلي المصاحف المختلفة مع مصحفه في الزيت لصعوبة المحو بالطرق العادية.

روى ابن الأثير (86:3) أن الأمة قبل عثمان كانت تقرأ القرآن في أربع نسخ مختلفة : نسخة أُبي في دمشق ، ونسخة المقداد في حمص ، ونسخة ابن مسعود في الكوفة ، ونسخة الأشعري في البصرة . وممّا يدل على اختلافها البعيد اقتتال أهل الشام وأهل العراق في معارك أذربيجان ، بسبب قراءاتهم المختلفة للقرآن الواحد . وهذا ما أفزع القائد حذيفة (وكان مولاه سالم قد جمع له قرآنا، وسالم هذا بطل قصة رضاعة الكبير من سهلة بنت سهيل امرأة حذيفة ـ أو ابو حذيفة) ففزع الى عثمان بن عفان يحرّضه على توحيد المصاحف .

وحديث الأحرف السبعة ، يرفع النصوص المختلفة من أربعة الى سبعة .
قال حذيفة بن اليمان : « غزوتُ مرج أرمينية فحضرها أهل العراق والشام . فإذا أهل الشام يقرأون بقراءَة أُبي بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع به أهل العراق ، فتكفرهم أهل العراق . وإذا أهل العراق يقرأون بقراءَة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ، فتكفّرهم أهل الشام ».
وهذا الاختلاف والاقتتال والتكفير في حرف القرآن ، في الثغور والفتوحات ، قد وصل الى الغلمان والمعلمين في بيوت حفظ القرآن. وقد رُوي حديث عن أنس بن مالك جاء فيه: إنّ الناس اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون. فبلغ ذلك عثمان، فقال: عندي تكذبون وتلحنون فيه ! فمن نأى عني كان أشدّ تكذيبا ولحنا! يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا ».

فالتكفير والاقتتال في مدارس القرآن، وفي غزوات الفتح، على صحة حرف القرآن، شهادة قائمة على وقوع التحريف في نص القرآن، قبل الجمع العثماني. وأنى لعثمان ولجانه المختلفة الوصول الى النص الأصلي المنزل ، بعد أن أمسى قبل جمعه سبعة أحرف، أي سبعة نصوص، بقراءات مختلفة. إن إتلاف عثمان، برضى الصحابة لجميع المصاحف سوى مصحفه، برهان قاطع على اختلافها في حرف القرآن، ودليل قائم على استحالة الوصول الى النص الصحيح المنزل المعجز. ففي الوضع القائم للقرآن على سبعة أحرف، عند وفاة النبي، شبهة كبيرة على صحة حرف القرآن. وفي الوضع الذي انتهوا إليه عند الجمع العثماني شبهة أخرى ضخمة.

ولدينا روايتان على الجمع العثماني (الاصدار الثاني للقرآن) والذي تم عام 25 بعد الهجرة. الرواية الأولى أن اللجنة العثمانية لجمع القرآن كانت من أربعة : زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص وعبد الرحمان بن الحارث . روى البخاري : فأرسل الى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها اليك. فأرسلت بها حفصة. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف الى حفصة. وبعث الى كل أُفق بمصحف ممّا نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق.

الرواية الثانية أن اللجنة العثمانية كانت من اثني عشر رجلا من قريش والأنصار ، وأن صحف زيد كانت في ربعة عمر، لا عند حفصة. « أخرج أبو داود حديثا جاء فيه: « لمّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار ، فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيئ بها.

ولنا تساؤلات منطقية تفرضها النصوص فيما يخص الجمع العثماني:

1) بما أن عمل اللجان العثمانية يقتصر على نسخ مصحف زيد، فلِم وصية عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم – فالخلاف في القرآن واقع، والاختلاف في تدوين حرفه متوقع. فهذه شهادة على شبهة مزدوجة: إن في مصحف زيد قرآنا ليس بلسان قريش؛ وأنّ بمصادر القرآن التي يجمعونه منها ما ليس بلسان قريش الذي نزل به. وهذه الشبهة سنعرض لها في مقال مستقل.

2) إذا كان الجمع العثماني مجرد نسخ للصحف التي كتبها زيد على زمن أبي بكر، أو الصحيفة التي كتبها على زمن عمر، فكيف يمكن الاختلاف فيما بين الجامعين؟ فلم يكن الأمر إذن مجرد نسخ، بل هو جمع جديد للقرآن، كما قال: يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما. والجمع الجديد دليل عدم الرضا عن الجمع الأول، كما أن الجمع الأول دليل الشبهة على الجمع الثاني: فلو كان الجمعان واحدا، لما وقع الخلاف.

3) والشبهة الكبرى في إمامة زيد للجان العثمانية، ولم يكن زيد قد بلغ الحلم في زمن النبي؛ ولم يكن من الأربعة الذين أوصى بأخذ القرآن عنهم. يقول عميد الأدب العربي د. طه حسين في (الفتنة الكبرى – عثمان): وقد يمكن أن يُعترض عليه في أنه كلّف كتابة المصحف نفرًا قليلا من أصحاب النبي ، وترك جماعة من القراء الذين سمعوا من النبي وحفظوا عنه، وعلّموا الناس في الأمصار. وكان خليقا أن يجمع هؤلاء القراء جميعا ويجعل إليهم كتابة المصحف. ومن هنا نفهم غضب ابن مسعود . فقد كان ابن مسعود من أحفظ الناس للقرآن وهو فيما كان يقول قد أخذ من فم النبي نفسه سبعين سورة من القرآن، ولم يكن زيد بن ثابت قد بلغ الحلم بعد! فإيثار عثمان لزيد بن ثابت وأصحابه، وتركه لابن مسعود وغيره من الذين سبقوا إلى استماع القرآن من النبي وحفظه عنه، قد أثار عليه بعض الاعتراض. وهذا شئ يفهم من غير مشقة ولا عناء.

4) إن أمر عثمان في طريقة جمع القرآن وتدوينه كانت أمره للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم. وإعجاز القرآن يقوم على التحدي (بمثله). وعند اختلاف الجامعين كانوا يكتبون القرآن بلسان قريش، فهم اذن في تدوين القرآن قد أتوا (بمثله).

5) والشبهة الضخمة على المصحف العثماني هي تحريق ما عداه من المصاحف، حتى مصاحف الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين (ما عدا المصحف الذي كان لدى حفصة، والذي لحق بزملائه بعد وفاتها). وهذه الشبهة الضخمة ذات حدين: فهي تلحقه لأنه قضى عليها؛ وهي تلحقها لأنه يعارضها . ولو كانت المصاحف واحدة لما احتاج عثمان إلى تحريقها! وكان الصحابة يتمسكون بمصاحفهم بسبب الحديث : نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف! فعثمان حين حظر ما حظر، وحرَّق ما حرّق من الصحف، إنما حظر نصوصا أنزلها الله، وحرَّق صحفا كانت تشتمل على قرآن أخذه المسلمون عن الرسول. وما ينبغي للإمام أن يلغي من القرآن حرفا أو يحرق من نصوصه نصًّا كما قال العميد (طه حسين). ونظن أن هذا هو السبب الحقيقي الذي أودى بحياة عثمان في الثورة عليه وقتله. فقد أنكر ابن مسعود، وأنكر معه كثير من الناس ما كان تحرق المصاحف . واشتد نقد ابن مسعود لعثمان. وكان يخطب الناس يوم الخميس من كل أسبوع. وكان يقول فيما يقول: إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى وكل ضلالة في النار. فكأنه أفتى باغتياله .

6) ما معنى تعدّد جمع القرآن؟ يقول محمد صبيح: لماذا لم يأمر أبو بكر أو عمر بنسخ صور ممّا كتب زيد بن ثابت؟ …ولماذا لم يحرص كبار الصحابة على أن يكون لكل واحد منهم، أو لدى بعضهم على الأقل، نسخ من هذه الصحف؟ الجواب على هذا السؤال عسير. ولكن أعسر منه الجواب على السؤال: لماذا فُضّل مصحف زيد بن ثابت، وكان غلاما لم يبلغ الحلم بعد في حياة النبي، على مصحف عليّ بن أبي طالب، وهو الشاهد الأسبق للقرآن والدعوة والسيرة؟ وأيضا على مصحف ابن مسعود، وهو الذي « لزم النبي لزوما متصلا في سفره وإقامته، حتى كاذ يُعدّ من أهل بيته. فكان أثناء إقامة النبي صاحب اذنه؛ وكان اذا قام النبي ليخرج ألبسه نعليه ومشى بين يديه بالعصا فإذا بلغ مجلسه خلع نعليه فوضعهما في كمه ودفع إليه العصا وقام على إذنه. وكان في السفر صاحب فراش النبي وصاحب وضوئه. وكان النبي يحبه حبًّا شديدًا ويوصي بحبه. فكأن محمدا يسلك سلوك اسقف النصارى في جماعته، وابن مسعود (قوّاصه)!

وأعسر أكثر الجواب على هذا السؤال أيضا: لقد رضى أبو بكر ثم عمر بمصحف زيد: فَلِمَ يرفضونه في زمن عثمان، كما يظهر من وصيته لجامعي الحرف العثماني: اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم. ثم يفرضون بالحديد والنار المصحف العثماني؟ يحق لنا أن نقول: ألا يترك هذا التصرف شبهة لا تزول على مصحف زيد ثم على المصحف العثماني الناجي معا ؟

أخيرا، بعد نزول القرآن على سبعة أحرف، وبعد الرخص النبوية الأربع بقراءة القرآن على سبعة أحرف، وقد كانت المصاحف بوجوه القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أُنزل بها القرآن، وإجازة القراءات المختلفة، على الحروف المختلفة بلغات العرب جميعها، وإباحة القراءَة بالمعنى من دون الحرف، وذلك مدة أربعين سنة ، منذ بدء التنزيل حتى الجمع العثماني سنة خمس وعشرين للهجرة كما روي عن ابن حجر. بعد هذا كله واختلافهم في حرف القرآن حتى التكفير والاقتتال قبل التوحيد العثماني – هل كان بإمكان اللجان العثمانية، وقد مات أكثر حفظة القرآن وقرائه، وجميع الجامعين غير معصومين، أن تصل الى النص المنزل الذي لا تشوبه شائبة؟ إن البرهان القاطع على أنه لا يمكن أن تصل اليه أن عثمان قد أتلف سائر المصاحف ليحمل الأمة على مصحفه. وقد أحرقت الصحف التي جمعها زيد بأمر أبي بكر وعمر، وكانت أمانة عند حفصة بعد وفاتها. كلها شبهات يحار فيها العقل والايمان، ولا جواب لها. والنتيجة الحتمية لهذا كله شبهة على صحة الحرف العثماني، وعلى صحة التحدّي بإعجازه.

هل قال أحد من الصحابة أو التابعين بتحريف القرآن؟

سأل أحدهم فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: ما حكم الشرع في من يقول بتحريف القرآن الكريم و الأدلة الشرعية على هذا الحكم الشرعي؟ فأجاب :

نلخص ما يعنينا منه: إن هذا القران الذي جاءنا من قبل الصحابة متواترا تواترا لفظيا ومعنويا لم يشبه ولله الحمد شبهة ولا شك إنه كله كلام الله عز وجل لم ينقص منه شئ أبدا حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا من أنكر حرفا واحدا مما اتفق عليه القراء السبعة فانه كافر لانه أنكر القرآن ولا يمكن لأحد أن يقر ببعض القران دون بعض لان هذا كفر بالجميع فمن آمن ببعض الرسالة دون بعضها فهو كافر بها كلها.
***
هل قال أحد من الصحابة بتحريف القرآن؟ سؤال غريب بعد الاستهلال بفتوى شيخ مشايخ الوهابية. لكن باستقراء الصحاح والمسانيد ـ وهي كتب المسلمين المقدسة، نفاجأ بالعكس. ولنبدأ بالخلفاء الراشدين وكبار الصحابة:

عمر بن الخطاب:

حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال: حدثني أبي عن أبيه عن الحسن: قرأ عمر: والسابقون الأولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان. فقال أبي: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ (التوبة 100). فقال عمر: والسابقون الأولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان. وقال عمر: أشهد أن الله أنزلـها هكذا، فقال أبي: أشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيه الخطاب ولا ابنه. تاريخ المدينة ج2، الدر المنثور ج3، قال ابن كثير في تفسيره ج2. ذكرنا بعض الروايات فيما سبق التي تحكي لنا وقوف أبي بن كعب في وجه إنكار ابن الخطاب لذكر الأنصار في الآية. في صحيح البخاري، عن ‏ابن عباس قال: … فجلس ‏ ‏عمر ‏ ‏على المنبر…. فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة… الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم…(راجع إشكاليات تدوين الكتاب المبين (2) بتاريخ 05/01/2010).

أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعاً : القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأه صابراً محتسبًا كان له بكل حرف زوجة من الحور (مجمع الزوائد ج 7)، وهذا من صريح التحريف.

عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس يقول: أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى أن الصلاة جامعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس لا تـخدعن عن آية الرجم فإنـها قد نزلت في كتاب الله عز وجل وقرأناها ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد (ص)، وآية ذلك أنه (ص) قد رجم وأن أبا بكر قد رجم ورجمت بعدهما وإنه سيجيء قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم (مصنف عبد الرزاق). وهذه صريحة في أن كثيرا من القرآن فـقِـد وضاع وكان سببه موت الرسول (ص)، ومعنى الكلام أنه (ص) الوحيد الذي حفظها من بينهم!

أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ (الجمعة 9). فقال من أملى عليك هذا ؟ قلت: أبي بن كعب. قال: إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ قرأها: فامضوا إلى ذكر الله. (الدر المنثور ج6) .

عثمان بن عفان:

عن عكرمة قال: لما أُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال : لو كان المملي من هذيل و الكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا ) كتاب المصاحف للسجستاني).

أخرج ابن أبي داود عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال لما فرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنـتها.

واللـحن المتهم به القرآن من ذي النورين هو الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ (المائدة 69) فقال أن فيها لـحنا وخطأً ولكي تكون سليمة من هذا الخطأ يجب أن تكتب ( والصابئين ) بالياء ، وكذا الآية: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (النساء 162) يجب أن تكتب (والـمؤتـين الزكاة ) بالياء، وكذا غيرها من الموارد التي يجب أن تبدل إلى ما يوافق قواعد اللغة العربية ليكون القرآن سليما من هذا اللحن!

علي بن أبي طالب:

أخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد قال قرأت على عليً: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (الواقعة 29). فقال علي: ما بال الطلح! أما تقرأ: طَلْعٌ؟ ثم قال: طَلْعٌ نَضِيدٌ (ق 10). فقيل له: يا أمير المؤمنين أنـحكها من المصاحف؟ فقال: لا يهاج القرآن اليوم) الدر المنثور، وفي تفسير الطبري أيضا).
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وأما (وطلع منضود) فقرأ به علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد وروي ذلك عن علي بن أبي طالب من وجوه صحاح متواترة، منها ما رواه يحيى بن آدم قال أنبأنا يحيى بن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي عن قيس بن عبد الله وهو عم الشعبي عن علي: أن رجلا قرأ عليه: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. فقال علي: إنما هو ( وطلع منضود)! قال: فقال الرجل: أفلا تغيرها ؟! فقال علي: لا ينبغي للقرآن أن يهاج.

ولا يفوتنا حديث الإمام على مع أبي بكر عندما قالوا له أن عليا قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال‏:‏ أكرهت بيعتي قال‏:‏ لا والله قال‏:‏ ما أقعدك عني قال‏:‏ رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه قال له أبو بكر‏:‏ نعم ما رأيت. وأخرجه ابن أشتة في المصاحف. فهذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ينكر ما في مصاحف المسلمين.

عبد الله بن مسعود

دعا ابن مسعود غيره من الصحابة والتابعين لنبذ المعوذتين عن المصحف وحذفهما منه بقوله (لا تخلطوا فيه ما ليس منه!) وكان يحكهما من المصحف، فهو في الواقع محرف للقرآن لأنه أنقص منه سورتين، والمسلمون في نظره حرّفوا القرآن بزيادة المعوذتين فيه. وصحة هذه النسبة لابن مسعود لا يمكن الشك فيها بعد وضوحها وشياعها حتى وردت في كتب السنة والشيعة أيضا:
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت عبد الله يحك المعوذتين ويقول: لِم تزيدون ما ليس فيه ؟!
عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من مصحفه فيقول: ألا خلطوا فيه ما ليس فيه!.
عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصحف يقول: ليستا من كتاب الله  » (المعجم الكبير ومجمع الزوائد لابن حجر).
عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه ! فإنما هما معوذتان تعوذ بـهما النبي (ص) قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وكان عبد الله يمحوهما من المصحف.

والمشكلة أن روايات أهل السنة المخرجة في الصحاح تقول أن النبي (ص) قد أوصى الصحابة بأن يتعلموا القرآن من ابن مسعود! وأنه قال لـهم (وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه) (صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني) ، وهو المرجع الوحيد للعرضة الأخيرة للقرآن عما صح عن ابن عباس أنه قد ( عَلِم ما نُسخ وما بُدّل ) !!

والآن .. إما أن قرآن المسلمين محرف ويجب الأخذ بقول ابن مسعود كما تفيد الصحاح، وإما أن ابن مسعود قال بتحريف القرآن، ويقول الوهابيون إن من قال بتحريف القرآن كافر بلا قيد أو شرط، فيلزمهم تكفير الصحابي ابن مسعود! (أنظر صدر المقال). أخرج ابن الأنباري في المصاحف: قال عبد الله بن مسعود: اكتبوا (والعصر إن الإنسان ليخسر وإنه فيه إلى آخر الدهر ) فقال عمر: نـحّوا عنا هذه الأعرابية (الدر المنثور).

وعلى هذا كيف نجمع بين ما أخرجه البخاري ومسلم من أمر النبي (ص) الصحابة أي يستقرئوا ابن مسعود القرآن وبين رفض عمر شهادته وردّه خائبا ؟!، فهل هذا اقتفاء لأوامر النبي (ص)؟!، فإن قيل إن فعل عمر صحيح لأن تلك الزيادة لست من القرآن! فإن هذا يعني أن روايات البخاري ـ ثاني أصح كتاب بعد القرآن ـ باستقراء ابن مسعود القرآن غير صحيحة!

هل كان الوحي القرآني باللفظ أم بالمعنى ؟

ذكر السيوطي عن الأصفهاني في الإتقان (1: 44): اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال هو إظهار القراءة ومنهم من قال إن الله ألهم كلامه جبريل.
وقال الطيبي لعل نزول القرآن على النبي(ص) أن يتلقفه الملك من الله تعالى تلّقفًا روحانيًّا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول فيلقيه عليه. وقال القطب الرازي: المراد بإِنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقفًا روحانيًّا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها يلقيها عليهم؛
إذا المنزل على الرسول هو أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:

إما اللفظ والمعنى؛
وإما إن جبريل نزل بالمعاني فقط، والرسول عبر عنها بلغة العرب؛ ودليل من قال ذلك قول القرآن: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء 193-195)
والثالث أن المعنى أُلقي إلي جبريل، وإن جبريل عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب.
وقال الجوّيني: كلام الله المنزل قسمان قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مُرسَل إليه، الله يقول؛ ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة. وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير.

إذن، فالخلاف قائم بين المسلمين أنفسهم عما إذا كان القرآن قد نزل بالمعاني وحدها، أو نزل بالمعاني والألفاظ معًا.

إن القول بنزول القرآن بالمعاني دون الألفاظ ينتج عنه إشكال ضخم: إذا كان جبريل، كما نقل السيوطي إنما نزل بالمعاني خاصة وأن محمدًا عَلِم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب؛ أو أن جبريل ألقي إليه المعنى، وأن جبريل عبر بالألفاظ عن المعنى بلغة العرب فألفاظ القرآن ليست من الله، بل هي من محمد أو من جبريل. وبما أن إعجاز القرآن في ألفاظه ونظم هذه الألفاظ وأساليب بيانها، وعلى ذلك يكون إعجاز القرآن ليس منزلا، يؤيده الحديث المأثور: عن الرسول أعطيت جوامع الكلم .لذلك فإعجاز نظمه مع التعبد بلفظه قائم على الرسول العربي وليس على الله القدير.

كما إن القول بنزول القرآن بالمعاني والألفاظ معا ينتج عنه إشكال أضخم من الإشكال الأول: إذا كان جبريل قد نزل بالمعنى واللفظ، فمن أين جاءت القراءات العشر ـ وهي ليست الأحرف السبعة ـ التي تعطي عدة قراءات للكلمة الواحدة والتي تختلف عما تم تدوينه في المصحف العثماني، وسأعطي أمثلة لهذه القراءات، وهي من معجم القراءات للدكتور عبد اللطيف الخطيب، ليتبين للقاريء الكريم أية الألفاظ التي جاءت وجيا وأيتها التي حرفت النص القرآني:

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة 4)

مالك: هي قراءة الجماعة
قرأ ابن كثير: ملك بفتح الميم وخفض (كسر) اللام وخفض الكاف
وقرأ أبو هريرة: ملك بفتح الميم وسكون اللام
وقرأ أبو عثمان النهدي: ملك بخفض الميم وسكون اللام على وزن عجل
وقرأ أنس بن مالك: ملك بنصب الكاف
وقرأ سعد بن ابي وقاص: ملك برفع الكاف على تفدير (هو ملك)
وقرأ على بن أبي طالب: ملك يوم الدين، فعلا ماضياوبنصب يوم
وقرأ الأعمش: مالك بنصب الكاف
وقرأ ابن أبي عاصم: ملكا بالنصب والتوين
وقرأ عاصم الجحدري: مالك يوم برفع الكاف والتنوين ونصب يوم
وقرأ أبو هريرة: مالك يوم بالرفع والإضافة إلى يوم
وقرأ أبو هريرة: مليك على وزن فعيل
وقرأ على بن أبي طالب: ملاك بالألف والتشديد للام وكسر الكاف
وقرأ عمرو بن العاص: مليك على فعيل وبضم الكاف
وقرأ عن ورش: ملكي بإشباع كسرة الكاف
وعند ابن ملك: مالكي بالألف وإشباع الكاف (عن ورش ونافع)
وغير ذلك

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (يوسف 4)
(يا أبت): قرأ عاصم عن ابن كثير (يا أبت) بكسر التاء.
وقرئ (يا أبتا) بالألف بدل من الياء.
وقرئ (ياأبتاه) بالهاء على لفظ الندبة.
وذهب فطرب إلى أن أصله (يا أبة) بالتنوين

قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا (البقرة 259)
فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ: هي قراءة الجماعة
قرأ ابن مسعود: وَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.
وقرأ ابن مسعود: وهذا طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ
وقرأ طلحة بن مصرف: فَانْظُرْ لطَعَامِكَ. باللام بدلا من (إلى)
وقرأ ابن مسعود: وهذا َشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ

يتسنه: هي قراءة الجماعة
قرأ أبي بن كعب: لم يسنه بإضغام التاء في السين
وقرأ ابن مسعود: لم يتسنن بالتاء وينونين
وقرأ طلحة بن مصرف: لم يسن بإضغام التاء في السين وحذف الهاء
وقرأ طلحة بن مصرف أيضا: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمئة سنة. بدلا من يتسنه

ننشزها: بالزاي وضم النون هي قراءة الجماعة
وقرأ ابن عباس: ننشزها بفتح النون وضم الشين وزاي بعدها.
وقرأ نافع: ننشرها بضم النون والراء المهملة.
وقرأ ابو جعفر: ننشرها لتشديد الشين
وقرأ ابن عباس: ننشرها بفتح النون والراء المهملة.
وقرأ أبي بن كعب: ننشبها بالياء أي نخلقها
وقرأ السمين: ننشئها بالهمز من النشأة
آية واحدة تقرا بالتباديل الرياضية مائة وعشرين قراءة مختلفة!!

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (مريم 26)
صوما: قراءة الجماعة أي صمتا
وقرأ أبي بن كعب: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صمتا
وروي عن أنس: صَوْمًا وصمتا بواو
قال القرطبي: واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيرا لا قرآنا
وقرأ أبي وأنس: صمتا وجاء كذلك في مصحف عبد الله وهو تفسير الصوم
وقرأ ابن عباس: صياما، والصيام والصوم سواء

إن عدم ثبات النص القرآني امر واقع، ومن لا يصدق عليه قراءة معجم القراءات الذي أشرنا إليه وهو متاح على الشبكة العالمية(الإنترنت) ويتكون من خمس مجلدات ضخمة كل مجلد منها يتعدى الألف صفحة، وغيره من كتب القراءات الكثير.

فالمشكلة هي أنه لو أنزل القرآن بالمعنى دون اللفظ، لا ينسب إعجاز القرآن لله، ولكن ينسب للبشر، وما يقوم به بشر يستطيع أن يقوم به بشر آخر والتاريخ والمنطق والواقع يؤيد ويؤكد ذلك.

أما إذا كان القرآن قد أنزل بالمعنى واللفظ معا، تأتي القراءات القرآنية كعقبة كأداء لإقناع المسلم بإعجاز القرآن فأية قراءة بل أية لفظة نعتبرها هي الأصل المنزل، وكيف دخلت الألفاظ الأخرى الكثيرة وحلت محل اللفظة الأصلية؟ وكيف تم اختراق الذكر المحفوظ؟ أسئلة يطرحها الواقع القرآني ولا إجابة لها، أللهم إلا صراخ المتعصبين الذين لا يملكون رد.

انتهت

اضافات:

من الإتهامات الصريحة التى وجهت لعثمان بن عفان بأنه حرف القرآن كمثال :

1- أتهم محمد أبن أبى بكر الخليفة عثمان بن عفان [ وروى الحافظ ابن عساكر‏:‏ أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله، تسوروا عليه الدار، وأحرقوا الباب، ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبي بكر، وسبقه بعضهم فضربوه حتى غشي عليه، وصاح النسوة‏:‏ فانزعروا، وخرجوا‏.‏
ودخل محمد بن أبي بكر وهو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال‏:‏ على أي دين أنت يا نعثل ‏؟‏‏.‏
قال‏:‏ على دين الإسلام، ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين‏.‏
فقال‏:‏ غيرت كتاب الله ‏؟‏‏.‏
فقال‏:‏ كتاب الله بيني وبينكم، فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال‏:‏ إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا‏}‏‏[‏الأحزاب‏:‏ 67‏]‏، وشطحه بيده من البيت إلى باب الدار، وهو يقول‏:‏ يا ابن أخي، ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي قال ابن كثير كتاب البداية والنهاية المجلد7ص 166-168 قال محمد بن أبو بكر الصديق عندما حاصر عثمان أبن عفان لقد غيرت كلام الله فى القرآن ]

2- أخذت عائشة بيدها قميصاً كان لرسول الله وقالت هذا قميص رسول الله لم يبل ، وقد أبلى عثمان سنته.( كتاب شرح نهج البلاغة )
كان عثمان يخطب يوما فادلت عائشة قميص رسول الله ونادت يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته!! (تاريخ اليعقوبي ج2 ص175)

القرآن الذي الفه عثمان بعد احراق الاصول والذي تسببت في هياج المسلمين عليه وقتله والتمثل بجثته كان غير منقوط ولا مشكول مدة أكثر من ١٠٠ سنة الى زمن الخليفة الأموى عبد الملك حين قام الحجاج بإسناد هذا العمل إلى رجلين هما يحي بن يعمر والحسن البصرى فنقطاه وشكلاه وأسقط الحجاج بن يوسف حينما كان ينقط القرآن من القرآن الذى أخترعه عثمان ما كان أنزله الوحى فى قرآن النبى أمية وفى بنى العباس لهذا حرق جميع مصاحف عثمان القديمة .

المصدر

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s